الخميس، 11 سبتمبر 2008

أدب الاستئذان مدخل لفضيلة الصدق

قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون . فان لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم }27،28 – سورة النور . و سبب نزول هذه الآية ما رواه الطبري وغيره عن عدي بن ثابت أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله، إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد، لا والد ولا ولد فيأتي الأب فيدخل عليّ وإنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال، فكيف أصنع ؟ فنزلت الآية.
ومن المؤكد ان الشرع ينهى عن الكذب والتحايل عليه ، ويحث على تحرى الصدق والعمل به ، ونحن مع كل ما يأمر به وينهى عنه ولكن من تمام الايمان أن نعمل ( بكل ) أوامره ، وننتهى (عن كل) نواهيه ، ولا نأخذ بعضها مما يوافق أهواءنا ونترك ما يتعارض مع مصالحنا الشخصية حتى ولو كانت ضد مصالح الآخرين .
وعدم التزامنا بالأوامر ككل وراء شيوع رذيلة الكذب التى لا نستطيع النجاة منها بصورة أو بأخرى . وخير مثال لذلك هذه الاسطوانة المشروخة التى كثيراً ما يرددها علماء النفس والاجتماع كلما تكلموا أو كتبوا عن وجوب تعليم اولادنا فضيلة الصدق ، وهى تعودنا نحن الاباء على انكار انفسنا سواء بالتليفون او بالحضور عندما يسأل عنا أحد لأمر ما ، على مشهد من أطفالنا فى الوقت الذى نأمرهم فيه بعدم الكذب ! فكيف اذن نأتى أمراً ننهى أطفالنا عنه ؟
وننسى فى غمرة تحمسنا للفضائل أن إهدارنا لفضيلة الاستئذان هو الدافع الاول نحو الالتفاف حول الكذب ، حتى ان بعضهم كان يأمر الخادم أن يخط بيده دائرة ويضع فيها أصبعه ويقسم أن سيده ليس يالداخل وهو ما يدعى بالكذب الصادق ( مع التحفظ عن هذا التعبير ) حتى لا يكتب عند الله كذاباً وفى نفس الوقت يكون قد حقق المصلحة بالامتناع عن مقابلة هو غير مستعد لها سواء نفسياً أو جسدياً وما فعل ذلك الا لعلمه أنه لو لم يسمح للطارق بالدخول فقد يؤذيه ، وان سمح له بالدخول فقد يتأذى هو فلا يجد امامه الا الكذب بالتورية ؟؟ ، فأين نحن من ذلك الصحابى الذى ذكر قتادة أنه قال فى الآية{وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم واللّه بما تعملون عليم} لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها أن استأذن على بعض إخواني، فيقول لي: ارجع فأرجع وأنا مغتبط !
اذن فلكى تختفى رذيلة الكذب يجب أن نفعل فضيلة الاستئذان ، والحمد لله أن ثورة الاتصالات الان تتيح الاتصال عن بعد بالتيليفون فيمكن الاستئذان عن طريقه وتحديد موعد سابق بدلاً من فجاءة اللقاء وان حدث ودق أحدنا على الآخر بابه (أو رن عليه بالتليفون) فليفعل ذلك ثلاث مرات برقة بين كل مرة واخرى برهة من الوقت فان رد عليه أحد بالسلب او بالايجاب فبها وان لم يرد فليرجع ولا يلحف فى الطلب لئلا يكون أهل البيت على حال لا يريدون فيها ازعاجاً ، ثبت في الصحيح أن أبا موسى حين استأذن على عمر ثلاثاً، فلم يؤذن له انصرف، ثم قال عمر: ألم تسمع صوت عبد اللّه بن قيس يستأذن؟ ائذنوا له، فطلبوه فوجدوه قد ذهب، فلما جاء بعد ذلك قال: ما أرجعك؟ قال: إني استأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي، وإني سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول: "إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فلينصرف"، فقال عمر: لتأتيني على هذا ببينة وإلا أوجعتك ضرباً، فذهب إلى ملأ من الأنصار فذكر لهم ما قال عمر، فقالوا: لا يشهد لك إلا أصغرنا، فقام معه أبو سعيد الخدري فأخبر عمر بذلك، فقال: ألهاني عنه الصفق بالأسواق.
دكتور سمير محمد البهواشى
هذا المقال نشر يوم 11 سبتمبر 2008 بجريدة الاخبار القاهرية فى صفحة ايام وليالى رمضان وللاسف سقط اسم الكاتب فى نسخة الانترنت

ليست هناك تعليقات: