السبت، 14 يونيو 2008

الحب السلبى

إن فوضي الطرق، وما ننكره من سلوكيات في قيادة السيارات، ورغبة الجميع في استباق غيرهم، وتخطي الرقاب في المساجد، والتدافع عند ركوب أتوبيس عام، وما يحدث في طوابير المصالح الحكومية من هرج ومرج وعدم نظام، وشيوع الفقر والجوع، ووجود الغش والجشع والاحتكار وغيرها من الأمراض الاجتماعية التي تعاني منها مجتمعاتنا - إنما هو نتيجة طبيعية لتفشي الأثرة والأنانية وحب الذات، وعدم تفعيل خُلُق الإيثار الذي حثت عليه جميع الأديان، وعلي رأسها الإسلام، حيث قال تعالي في كتابه الكريم: (ويؤثرون علي أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) (٩) سورة الحشر..
فالإيثار ثمرة الجود الذي يجعلك تترك ما أنت محتاج إليه لغيرك، وأن تؤثر الغير علي نفسك بأن تقدمهم عليها فيما لا يحرم عليك ديناً ولا يقطع عليك طريقاً ولا يفسد عليك وقتاً، والجود قد يكون بالنفس أو بالمال أو بالعلم أو بالراحة والرفاهية أو بالجاه أو ببسط الوجه أو بالتسامح كما كان يفعل أبو ضمضم، أحد الصحابة رضوان الله عليهم، فقد كان يقول كل يوم إذا أصبح: «اللهم إنه لا مال عندي فأتصدق به علي الناس وقد تصدقت عليهم بعرضي فمن شتمني أو قذفني فهو في حل» فقال النبي (صلي الله عليه وسلم) في إشارة منه إلي أنه خلق جميل يحبه الله ولكنه صعب علي النفس الأنانية: «من يستطيع منكم أن يكون مثل أبي ضمضم؟» والإيثار ضد الشح الذي يثمر البخل.. والأثرة عكسه ومعناها استئثار صاحب الشيء به عليك وهي صفة غير محمودة في الإنسان عموماً وفي المسلم علي وجه الخصوص.
وللأسف فإن حبنا الشديد لرسول الله (صلي الله عليه وسلم)، الذي تجلي في مقاطعة المنتجات الدنماركية بعد إساءتهم له كشفنا أمام أنفسنا وأظهر مرضاً آخر نعاني منه ولا نبحث له عن علاج، وهو الحب السلبي للدين المتجرد عن اتباع الرسول (صلي الله عليه وسلم) والاقتداء به مع أن القرآن الكريم يقول في سورة آل عمران: «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم».
دكتور سمير محمد البهواشي
نشرت بجريدة المصرى اليوم بتاريخ 14 يونيو 2008

الأربعاء، 11 يونيو 2008

مفهوم الجهاد وواقع المسلمين !!


( قبل أن تقرأ : يجب ان تتأكد ..أخى المسلم ، أنى مسلم مثلك و حتى النخاع ، وأحب دينى ، وأحب رسول الله ، وفوق كل هذا أحب الله وأحب ما يحبه الله وأكره ما يكرهه الله ، وأعلم علم اليقين أنه لم يجن على الاسلام والمسلمين الا تسييسهم للدين ، بمعنى محاولة تطويع الدين ولى الحقائق لخدمة المصالح الشخصية ، لا لخدمة الدين ذاته ، ومن هذه المفاهيم التى استخدمت لأغراض دنيوية وليس لله فيها نصيب ، مفهوم الجهاد ، لذلك فانا أرى – والله أعلم – ان على الداعى الى الله ، حقيقة ، بالله ولله ، ان يبين ويركز على المفهوم الاوسع والأشمل لقيمة الجهاد حتى نستطيع النهوض من كبوتنا ونخدم ديننا ونكون كما أراد الله لنا {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} (110) سورة آل عمران )
الجهاد كلمة معناها بذل أقصى الجهد فى نشاط ما للوصول الى غاية ، يقول ابن حجر فى فتح البارى الجهاد بكسر الجيم أصله لغة المشقة يقال جهدت جهادا بلغت المشقة وشرعا بذل الجهد في قتال الكفار ( دفاعا ) ويطلق أيضا على مجاهدة النفس والشيطان والفساق فأما مجاهدة النفس فعلى تعلم أمور الدين ثم على العمل بها ثم على تعليمها وأما مجاهدة الشيطان فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات وما يزينه من الشهوات وأما مجاهدة الكفار فتقع باليد والمال واللسان والقلب وأما مجاهدة الفساق فباليد ثم اللسان ثم القلب ، وهى كلمة أشمل من كلمة قتال أو حرب ، فكل قتال او حرب جهاد ولكن ليس كل جهاد حرب او قتال . فقد يكون الصوم جهادا وقد تكون الصلاة جهاداً وقد يكون طلب العلم جهاداً وقد يكون السعى على الارملة والمسكين جهاداً وقد يكون العمل ومساعدة الاخرين جهاداً وقد تكون تربية الاولاد جهاداً وحسن تبعل المرأة لزوجها جهاد وقد تكون مسألة تبليغ الرسالة الاسلامية فى حد ذاتها جهاداً بدون ان يكون ذلك بالمقاتلة وإعلان الحرب بالضرورة ، وانما يأتى القتال كجهاد فى مرحلة تالية وهى اعلان المبلغ ( بتشديد وفتح اللام ) الحرب على المبلغ ( بتشديد وكسر اللام ) ويكون فى هذه الحالة دفاعا عن النفس لا بدءاً بالقتال الذى ليس من أخلاق ولا آداب المسلم . قال تعالى : {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ} (190) سورة البقرة
وقال : {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} (36) سورة التوبة
وقال : {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ} (191) سورة البقرة
وقال : {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } (8) سورة الممتحنة
وقال {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (9) سورة الممتحنة
وعن عبد الله بن أبى أوفى رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بعض أيامه التى لقى فيها العدو ، انتظر حتى مالت الشمس ، ثم قام فى الناس ، فقال : " أيها الناس ، لا تتمنوا لقاء العدو ، وسلوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا ، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف " ثم قال :" اللهم منزل الكتاب ، ومجرى السحاب ، وهازم الأحزاب ، أهزمهم وانصرنا عليهم " متفق عليه .
هذا اذا كان ابلاغ الدعوة يتم كما كان فى الصدر الاول من الاسلام عن طريق ارسال الوفود والرسائل الى ملوك الدول ، وقد ذهب ابن كثير فى تفسيره لآية {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} (52) سورة الفرقان الى ان الجهاد انما يكون بالقرآن – أى بالحجة - وليس بالسيف ، والمثل العربى يقول إغمد سيفك ما ناب عنك لسانك ، وليس هناك ما هو أبلغ حجة من القرآن الكريم لمن فقهه يقول ابن كثير يقول تعالى: {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا} يدعوهم إلى اللّه عزَّ وجلَّ، ولكنا خصصناك يا محمد بالبعثة إلى جميع أهل الأرض، وأمرناك أن تبلغهم هذا القرآن {لأنذركم به ومن بلغ}، {قل يا أيها الناس إني رسول اللّه إليكم جميعا}، وفي الصحيحين: "بعثت إلى الأحمر والأسود"، وفيهما "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة"، ولهذا قال تعالى: {فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا } يعني بالقرآن، قاله ابن عباس ، والمجاهدة هنا تعنى بذل اقصى الجهد فى تبليغ الدعوة
اما فى العصر الحالى وبعد ثورة الاتصالات فان الجهاد ينبغى ان يقوم على المحاور الآتية :
1- تبليغ الدعوة وتوضيح الرسالة الاسلامية لمن لم يعلم بها او علمها محرفة ويمكن ان يتم ذلك عبر وسائل كثيرة اهمها شبكة الانترنت .
2- سلوك قويم ومشاركة فعالة للمسلم فى النهضة الحضارية التى يشهدها الكون وتتناقلها وسائل الاعلام ، هذا هو الجهاد فى سبيل الله فى العصر الحالى والذى افهمه انا ويجب ان يتفهمه الجميع .
3- تأمين النفس والدين والعقيدة بإعداد ما نستطيع من قوة شريطة ان تكون من صنعنا نحن وبأفكارنا نحن وليس لغيرنا معرفة سرها حتى تصبح قوة رادعة أما أن نعتمد فى تسليح جيوشنا على شراء الاسلحة ممن نريد تبليغ الدعوة اليهم وممن قد يحاربوننا فى يوم من الايام فهذا من وجهة نظرى هراء ونقص فى التفكير والغاء لفراسة المؤمن لان صانع السلاح بكل بساطة لا يفرط فى سلاح يستطيع ان يحقق به النصر لنفسه على غيره ، وانما يفرط فى تلك النوعية التى عفى عليها الدهر فى ترسانته واصبح عالما بكل خفاياها واسرارها بل وكيف يتسنى له تعطيلها وافسادها من بعد اذا لزم الامر ، وهو عندما يتخلى عنها فانه يفعل من أجل المال لا من أجل انه يريد أن يعظم من قوتنا !!
لذلك اصبح من الواجب علينا ان نغير مفهومنا للجهاد الى المفهوم الاشمل وهو جهاد انفسنا اولا والتغلب على كسلنا وجهلنا والنهوض ببلداننا وتحقيق معنى الاسلام الذى يجب ان ندعو غيرنا اليه كما اراده الله يوم انزله على رسوله (ص) وارتضاه خاتما لرسالاته الى الارض ، فى اوطاننا اولا وقبل دعوة غيرنا اليه .
واذا تيقنا ان الاسلام حينما يأمر بالقتال انما يأمر به دفاعا عن النفس والعقيدة ، لان الدين الذى يدعو الى السماحة والحب والسلام لايمكن ان تكون طريقة تبليغ الاخرين به قائمة على الحرب والاكراه ولم أقف على آية واحدة فى القرآن تحض المسلم على مقاتلة المسالم أيا كان دينه حتى وان كان مشركا اذ لا اكراه فى الدين أساساً ، يقول جل وعلا فى كتابه الكريم : {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (256) سورة البقرة . يقول ابن كثير فى تفسير هذه الآية : أي لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام، فإنه بيِّن واضح، جلي دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونوَّر بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى اللّه قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسوراً، وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار وإن كان حكمها عاماً. وقال ابن جرير عن ابن عباس، قال: كانت المرأة تكون مقلاة ( اى مبغوضة ) فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوّده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل اللّه عز وجلّ: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} (أخرجه أبو داود والنسائي) وعن ابن عباس قوله: {لا إكراه في الدين} قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصيني، كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلاً مسلماً فقال للنبي صلى اللّه عليه وسلم : {ألا أستكرههما، فإنهما قد أبيا إلا النصرانية، فأنزل اللّه فيه ذلك (رواه ابن جرير والسدي) ، وليس يخفى على عاقل أن اسلام المكره نفاق ولن يفيد الاسلام من كثرة الداخلين فيه اذا كان اغلبهم منافقين فالله يريد قلوبا لا قوالب ويجب ان نفقه ذلك جيدا اذا أردنا الدعوة الحقيقية الى الله ، وقد وردت أحاديث كثيرة تؤكد ان أنواعا أخرى كثيرة من العبادات تعدل التطوع فى جيش المسلمين لمحاربة الكفار والمشركين الذين يحاربونهم ، فقد جاء فى البخارى : حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: حدثني عطاء بن يزيد الليثي: أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه حدثه قال:قيل يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله). قالوا: ثم من؟ قال: (مؤمن في شعب من الشعاب، يتقي الله، ويدع الناس من شره).اذن فكف الاذى عن الناس جهاد ،
وقال : حدثنا مسدد: حدثنا خالد: حدثنا حبيب بن أبي عمرة، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:يا رسول الله، ترى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: (لكن أفضل الجهاد حج مبرور).
وقال : حدثنا الحسن بن صباح: حدثنا محمد بن سابق: حدثنا مالك بن مغول قال: سمعت الوليد بن العيزار: ذكر عن أبي عمرو الشيباني قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: (الصلاة على ميقاتها). قلت: ثم أي؟ قال: (ثم بر الوالدين). قلت: ثم أي؟ قال: (الجهاد في سبيل الله). فسكت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو استزدته لزادني.
وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " دينار أنفقته فى سبيل الله ، ودينار أنفقته فى رقبة ، ودينار تصدقت به على مسكين ، ودينار أنفقته على أهلك ، أعظمها أجراً الذى أنفقته على أهلك " رواه مسلم .
ونحن نعرف ان الرسول صلوات الله وسلامه عليه كان يحدث كل امرئ على قدر عقله وفهمه وما يستطيع ان يبذله فى سبيل خدمة الدعوة الجديدة ، فقد قال للمرأة التى سألته عن الجهاد أن جهاد المرأة حسن تبعلها لزوجها ، وقال للصبى الذى طلب منه الالتحاق بجيش المسلمين ألك أبوان فقال نعم فقال فاذهب فبرهما فذلك جهادك .
وهكذا يجب ان يتغير مفهومنا للجهاد حسب الوقت والظروف التى نحياها الآن كشعوب وحكومات اسلامية وحسب ما يمكن ان نقدمه فى سبيل خدمة الدعوة .
دكتور سمير محمد البهواشى

الهجرة الى الداخل

تشجيع الهجرة الى الداخل!!
لماذا أصبح أمل كل شاب لديه القدرة على الابتكار والاختراع والتزود من العلم وتحقيق ذاته والشعور بكينونته أن يسافر للخارج وتحديدا الى امريكا او كندا او بريطانيا ، حتى يحقق ما يتمناه ، ولماذا لا يفكر فى الهجرة الى الداخل ؟ أو الاستقرار فى بلده ؟
ومعظم الذين يسافرون على نفقتهم وبمحض اختيارهم لا يعودون الى الوطن الام الا زائرين وربما تزوجوا هناك من أجنبية
اما الذين يسافرون على نفقة الجامعات فى بعثات دراسية فبعضهم يتم إغراؤهم بالبقاء من أجل تحقيق الذات فيقطعون صلتهم بالجامعة التى أرسلتهم ويمكثون فى بلاد لا يشعرون فيها بالغربة العلمية ولكن يعانون من مرارة الغربة الاجتماعية والاسرية
غير ان الحرية الفكرية والانفاق ببذخ على ابحاثهم فى هذه الدول والتعاون والتعاضد بينهم وبين العلماء امثالهم من الجنسيات المختلفة تنسيهم الى حين هذه المرارة ،
ولدينا حوالى 86000 عالم مصرى فى الخارج ، ممن سافروا ولم يعودوا والذين يحلو لنا ان ننعتهم دائما ب ( الطيور المهاجرة )، وهؤلاء فى الواقع يجدون من الوطن الام كل الاحترام والتبجيل لدرجة علو اصوات بعضنا بتوجيه النداءات المتكررة اليهم أن عودوا الى بلدكم وكفاكم غربة واغترابا ، مع أنى أرى – ومن وجهة نظرى الشخصية - ان هؤلاء المصريين العاملين فى الخارج يمكن ان يخدموا وطنهم الام من خلال تواجدهم الدائم فى بلدهم الثانى الذى تجنسوا بجنسيته وانخرطوا فى دوامة العمل الدائب فيه وان عودتهم قد تعنى ذبول قريحتهم وانطفاء جذوة العطاء لديهم لان الطبع يعدى وآلة العمل عندنا مازالت بطيئة ، والعقاب موجود وجاهز وسريع ، والثواب مؤجل دائماً ، عكس ما ألفوه هناك ، ثم ان الغربة ليست فى البعد المكانى عن الوطن فقد يكون الانسان غريبا وهو فى داخل وطنه اذا لم يجد التقدير المناسب او الاستخدام الامثل لطاقاته وإبداعاته والعكس دائما صحيح ، فقد يشعر بمصريته ويزداد حبا لبلده وهو بعيد عنها لانه يكون فى هذه الحالة راضيا عن نفسه وعما يقدمه للبشرية .
فليبق اذن ابناؤنا حيث هم موجودون ولكن ما نطلبه منهم ان يحولوا جزءا من مدخراتهم الى بلدهم الام على ان تشجعهم الحكومة وتؤمن مدخراتهم ، وأن يتعاونوا مع إخوانهم فى الداخل على نقل التكنولوجيا الحديثة ، ثم نعمل نحن هنا على تشجيع العقول المصرية الشابة على الهجرة الى الداخل عن طريق تهيئة المناخ المناسب لنموها وترعرعها بتكوين بيئة علمية وادارية مشابهة لما يجده ابناؤنا فى الخارج ويؤدى الى تفوقهم .
ودعونا نتوجه الى هذه العقول القارَّة فى تراب الوطن نرويها تشجيعا وثقة ومؤازرة مادية ومعنوية وسوف نرى مع الايام كيف ستكون مصر وإنَّا لمنتظرون .
دكتور سمير محمد البهواشى
نشر هذا المقال فى جريدة المصريون يوم 10 يونيو 2008

تشجيع الهجرة الى الداخل

تشجيع الهجرة الى الداخل!!
لماذا أصبح أمل كل شاب لديه القدرة على الابتكار والاختراع والتزود من العلم وتحقيق ذاته والشعور بكينونته أن يسافر للخارج وتحديدا الى امريكا او كندا او بريطانيا ، حتى يحقق ما يتمناه ، ولماذا لا يفكر فى الهجرة الى الداخل ؟ أو الاستقرار فى بلده ؟
ومعظم الذين يسافرون على نفقتهم وبمحض اختيارهم لا يعودون الى الوطن الام الا زائرين وربما تزوجوا هناك من أجنبية
اما الذين يسافرون على نفقة الجامعات فى بعثات دراسية فبعضهم يتم إغراؤهم بالبقاء من أجل تحقيق الذات فيقطعون صلتهم بالجامعة التى أرسلتهم ويمكثون فى بلاد لا يشعرون فيها بالغربة العلمية ولكن يعانون من مرارة الغربة الاجتماعية والاسرية
غير ان الحرية الفكرية والانفاق ببذخ على ابحاثهم فى هذه الدول والتعاون والتعاضد بينهم وبين العلماء امثالهم من الجنسيات المختلفة تنسيهم الى حين هذه المرارة ،
ولدينا حوالى 86000 عالم مصرى فى الخارج ، ممن سافروا ولم يعودوا والذين يحلو لنا ان ننعتهم دائما ب ( الطيور المهاجرة )، وهؤلاء فى الواقع يجدون من الوطن الام كل الاحترام والتبجيل لدرجة علو اصوات بعضنا بتوجيه النداءات المتكررة اليهم أن عودوا الى بلدكم وكفاكم غربة واغترابا ، مع أنى أرى – ومن وجهة نظرى الشخصية - ان هؤلاء المصريين العاملين فى الخارج يمكن ان يخدموا وطنهم الام من خلال تواجدهم الدائم فى بلدهم الثانى الذى تجنسوا بجنسيته وانخرطوا فى دوامة العمل الدائب فيه وان عودتهم قد تعنى ذبول قريحتهم وانطفاء جذوة العطاء لديهم لان الطبع يعدى وآلة العمل عندنا مازالت بطيئة ، والعقاب موجود وجاهز وسريع ، والثواب مؤجل دائماً ، عكس ما ألفوه هناك ، ثم ان الغربة ليست فى البعد المكانى عن الوطن فقد يكون الانسان غريبا وهو فى داخل وطنه اذا لم يجد التقدير المناسب او الاستخدام الامثل لطاقاته وإبداعاته والعكس دائما صحيح ، فقد يشعر بمصريته ويزداد حبا لبلده وهو بعيد عنها لانه يكون فى هذه الحالة راضيا عن نفسه وعما يقدمه للبشرية .
فليبق اذن ابناؤنا حيث هم موجودون ولكن ما نطلبه منهم ان يحولوا جزءا من مدخراتهم الى بلدهم الام على ان تشجعهم الحكومة وتؤمن مدخراتهم ، وأن يتعاونوا مع إخوانهم فى الداخل على نقل التكنولوجيا الحديثة ، ثم نعمل نحن هنا على تشجيع العقول المصرية الشابة على الهجرة الى الداخل عن طريق تهيئة المناخ المناسب لنموها وترعرعها بتكوين بيئة علمية وادارية مشابهة لما يجده ابناؤنا فى الخارج ويؤدى الى تفوقهم .
ودعونا نتوجه الى هذه العقول القارَّة فى تراب الوطن نرويها تشجيعا وثقة ومؤازرة مادية ومعنوية وسوف نرى مع الايام كيف ستكون مصر وإنَّا لمنتظرون .
دكتور سمير محمد البهواشى

هذا المقال نشر بجريدة المصريون يوم 10 يونيو 2008