الأحد، 31 يوليو 2011

مدونة الدكتور سمير البهواشى: الواعظ الصامت

مدونة الدكتور سمير البهواشى: الواعظ الصامت

الواعظ الصامت

بداية فلنتفق على المعنى الذى نقصده من كلمة الدنيا التى ستقابلنا خلال هذه السطور .

فنحن نعنى بها كل ما زاد عن الحاجة وتمكن من شغاف القلب ولم يستخدم فى محاب الله ، اما غير ذلك فالمؤمن مدعو للمنافسة عليه والاستزادة منه والتمتع به .

إذا اتفقنا على ذلك ، فليخل كل منا بنفسه وليقلب اذا سمح شريط الحكايات التى رويت امامه او شاهدها بنفسه عن ساعة ومكان وكيفية احتضار من يحبهم او يعرفهم ،

عند ذلك سيتأكد لنا صدق الله عز وجل فى قرآنه الكريم عندما قال

فى سورة النساء الآية(78) {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ }

وفى الاحزاب الآية (16) {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا}

وفى الواقعة الآية (60) {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} .

ولنرجع الى التاريخ ، ونراجعه

لنجد اميراً للمؤمنين يطعن أثناء الصلاة ، وقائداً عظيماً يقتل وسط جنوده وحراسه فى أبهج أيامه وأزهى ملابسه

ولنتأمل الحاضر ونستجلى حوادثه

فهذا مليونير يتمنى الكثيرون ان يكونوا مثله يموت منتحراً ، وذاك شيخ يقضى على يد أبنه الذى رباه وكبره أو على يد زوجته التى كان يلهث وراءها حتى تزوجها ، و ذلك شاب فى ريعان شبابه يحترق داخل سيارته الأحدث موديل والتى كان يحسده عليها الحاسدون ، وهذا المدرب الذى التهمه الاسد الذى عمل معه سنوات طويلة او هذا اللاعب الذى بلع لسانه وسقط وهو فى أوج تألقه صريعاً فى الملعب ، وذلك الفنان الذى سقط ميتاً فوق خشبة المسرح ....

أمثلة كثيرة وعديدة لن نفرغ منها فى ايام فما بالك بالسطور ؟؟

انه الموت الواعظ البليغ رغم صمته هاذم اللذات ، ومفرق الجماعات ، الذى امرنا رسول الله (ص) ان نكثر من ذكره حتى لا تأخذنا الدنيا وتنسينا الاخرة ، وحتى ترق قلوبنا وتلين ، وتقشعر جلودنا من خشية الله ..

وقد قال الرسول يحث مشيعى الموتى على الاعتبار : كأن الموت فيها على غيرنا كتب وكأن الحق فيها على غيرنا وجب نشيع موتانا وكأنهم مسافرون عما قريب الينا راجعون نبوؤهم أجداثهم ونأكل تراثهم وكأننا مخلدون بعدهم قد نسينا كل واعظة وأمنا كل جائحة ...

فما بال قلوبنا وقد قست ، وما سبب انشغالنا بالدنيا عن الآخرة ؟؟

هل هى الغفلة عن الموت ونسيان ذكره ؟؟ أو هو طول الامل والانشغال بالدنيا ؟؟

ان كان هذا او ذاك هو السبب ، فإنه الجهل بعينه ، والغرور الجلى ، فكم من طبيب عبقرى تطبق الآفاق شهرته مات بنفس الداء الذى تخصص فى علاجه وفجأه الموت قبل ان يدرك التشخيص ، فلا نفعه علمه بدقائق المرض فى توقى حدوثه والامن منه !! ولا نفعته معرفته بالعلاج فى دفع الموت عن نفسه !!

قل للطبيب تخطفته يد الردى يا شافى الامراض من أرداك ؟؟

والرسول الكريم يقول : اذا اصبحت فلا تنتظر المساء واذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وخذ من حياتك لموتك ومن صحتك لسقمك ، ومن دنياك لآخرتك ،

فالدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له وليس للانسان منها الا ما اكل فافنى ولبس فأبلى وتصدق فأبقى ، أو تعلم وانتفع الناس بعلمه ، أو ربى أولادا صالحين نفعوا غيرهم وبلادهم

نسأل الله اخلاص العمل وحلال الرزق وحسن الخاتمة

دكتور سمير محمد البهواشى

السبت، 9 يوليو 2011

العالم الهيكل

هو شاب فى الثلاثين من عمره .. طول بعرض .. وكأى شاب فى هذه السن فهو متحمس دائماً ومتهور فى أوقات ليست بالقليلة .. ، تخرج منذ عدة أعوام وخارج لتوه من الخدمة الوطنية .
وهو هنا من أجل الشغل ، ليس من أجل الالتحاق بالعمل كما قد يتطرق الى ذهنك ولكن لمناقشة بعض الأمور المتعلقة بالعمل الذى يعمله منذ شهرين ..
أما هذه الكتلة الضخمة المتكومة خلف المكتب الفخم فلم تكن فى هذه اللحظة بالذات كتلة ولم تكن فى هذه اللحظة بالذات ضخمة وانما كانت عبارة عن شيئ رهيب ... كان كرسى الفوتيه المريح الذى يتحرك على عجلات ويدور الى اليمين والى اليسار والى الخلف والى الأمام اذا لزم الأمر – لأنه غالباً ما يكون متجها الى أى جهة تخطر على بالك الا جهة الأمام لزوم الألاطة والعنطزة ، وعلى الكرسى كان هذا الشيئ الرهيب .. جمجمة ضخمة صامتة .. فارغة .. هشة .. يتحرك فكها الأسفل حركات الى أعلى وأسفل ولكن بدون أى تعبير وبدون أى صوت ؟؟ لا تستطيع أن تتبين ان كانت هذه الحركات تعبر عن الضحك أو الاشمئزاز أو القبول أو الاعتراض أو أو .. ومحجرا العينين غائران مظلمان وفقرات العنق السبعة تميل الى الأمام والى الخلف بين اللحظة والأخرى وذلك القفص الصدرى وهذه السواعد المسنودة على الكرسى الفوتيه وهذه العظام الدقيقة والسلاميات لليد الكبيرة التى تخبط وتدق فوق البنورة الزجاج أما الجزء الأسفل فلم يكن واضحا تماماً لانه توارى خلف المكتب الفخم .
وفى هذه اللحظة ، وهذه اللحظة بالذات لم تكن التكتكة التى بدأت تتصاعد فى الحجرة الفخمة المفروشة بالسجاد العجمى هى تكتكة الساعة الجميلة المعلقة على الجدار المغطى بورق الحائط الثمين خلف الشاب الواقف .. قطعاً لم تكن تكتكة الساعة لأنها لو كانت لسمعتها من وقت أن دخلنا هذه الحجرة وحتى من قبل ان ندخلها لانها الساعة الوحيدة فى المبنى والمنطقة ذات الصوت العالى وكأنها ساعة الجامعة ..
وليست هذه التكتكة أيضا تكتكة الكتلة الضخمة الرابضة خلف المكتب لانها كانت تبدو هذه اللحظة ساكنة وهادئة .. اذن فهى تكتكة هذا الشاب الذى كان يتنفس بعصبية ومن المؤكد ان قلبه أخذ ينبض نبضات عالية وهيستيرية وكان من حقه ان ينفعل ، ومن حقه أن يركز عينيه العسليتين عليها .. انهما لا تبدوان عسليتين الآن بعد أن تسمرتا عليها وانطلقت منهما تلك الأشعة الغير مرئية والتى جردتها من كل شيئ ... جردتها من الشعر الأسود كالليل الرابض تحت باروكة ذيل الحصان الصفراء كالذهب وجردتها من هذه البشرة البرونزية المخضبة باللون الأحمر فى منطقة الخدين ومن هاتين العينين الواسعتين كعيون البقر ومن هذا الأنف الدقيق والشفتين الرقيقتين كهلالين صغيرين متعانقين يسبحان فى بحر من الدم ومن هذا العنق الطويل المرمرى والزراعين الرخاميين ومن هذين الكفين الدقيقين ذات الاصابع الرقيقة الطويلة المنتهية بأظافر كمخلب النسر وهذ الصدر المكتنز المنتصب الحلمات والذى رغم سمنته يبدو دقيقا بالنسبة الى الارداف والساقين ومنطقة البطن ولكن فى تناسق .
ما زال صدر الشاب يعلو ويهبط وما زالت التكتكة مسموعة ومن حقنا الآن ان نعرف اسم الشاب .. هو نصر محمد أحمد شاب كما قلنا طول بعرض كثيرا ما تراه شارد الذهن موزع الخاطر تتكلم معه فى موضوع وأثناء استماعه اليك يكون قد طاف بفكره على عدة مواضيع أخرى ووجد حلولا لمشاكل كثيرة تؤرقه أو تؤرق غيره وهو الموكل بحلها وعندما تفطن الى أنه " مش معاك " وتعرف ذلك من عينيه تسأله " احنا كنا بنقول إيه ؟ " تراه وبقدرة قادر يذكر لك ملخصا كاملا لما كنت تقول وخلاصة ما تود فتطمئن الى أنه كان كله آذاناً صاغية لك ولك وحدك وهو فى الحقيقة لم يكن كذلك .
والمديرة تتحدث اليه الآن وفى هذه اللحظة وهو يستمع اليها فعلاً ومتأثر بكلامها كثيرا حتى أن صدره يعلو ويهبط من فرط ذلك التأثر وحتى أن اصطدام قلبه المضطرب بعظام صدره يصدر تلك التكتكة التى تغطى على تكتكة الساعة وهو واع لكل كلمة تقولها الست المديرة الجالسة فى الفوتيه المريح خلف المكتب الفخم وعقله مع كل كلمة وكل لفتة ولكن عيناه لا تراها كما أراها أنا وانت امرأة شابة فى الأربعين من عمرها ولا تزال شابة .. نعم جسمها مرهدل بعض الشيئ ولكنها رهدلة محببة رهدلة مغرية تحب أن تحتويها بين زراعيك رغم سلاطة لسانها ومشيتها المسترجلة وحلاقة شعرها الجرسون الذى غالبا ما تداريه بباروكة ذيل الحصان .. اذن هى الأخرى تريد ان تذوب بين زراعين قويين ، ولكنه لا يراها هكذا .. هو يراها عكسى وعكسك تماماً .. يراها تلك الجمجمة الغائرة العينين المتحركة الفك الأسفل بلا تعبير ، يراها ذلك الهيكل العظمى المتحرك الذى تخاف من حركاته ومنظره .. لا يرى هذا اللحم الطرى الذى يشع حرارة ودفئاً ولا هذا الدم الذى يكاد يشر من وجنتيها ولا هذه الأنوثة الطاغية المغرية ولا هذا المنصب الكبير الذى تتحكم من خلاله فى أرزاق أناس كثيرين وتستطيع بكلمة واحدة فى التليفون أو بجرة قلم فى سطر واحد أن تخرب بيتاً أو تعمر آخرا وأن تخصم من هذا الدكتور يومين ومن هذا التومرجى أسبوعاً او أن ترقى هذا الأول او ذلك الثانى .. كل هذا هو لا يراه .. هو يراها مثله ومثل كل الآخرين بدءا من عم يوسف البواب أو عم شحاتة القهوجى وانتهاء بعدلى أفندى مسئول الأوبئة بالادارة كلهم حينما يجردهم بشعاع عينه يبدون سواء لا يستطيع ان يفرق بينهم ولا أن يعرف ان كان هذا عم يوسف أو المديرة نفسها .. نعم فالكل حينما يتحولون الى هياكل لا تبرز الصدور ولا تترجرج الأرداف ولا يرق الصوت أو يخشوشن ولا تظهر الضحكة على انها ضحكة ولا البكاء على أنه بكاء ، حتى هو .. الطبيب الذى يهوى جراحة العظام لا يستطيع أن يعرف ان الهيكل الذى أمامه هيكل امرأة أو هيكل رجل من الوهلة الاولى وحتى اذا استطاع ان يعرف فهياكل الرجال كلها واحدة وهياكل النساء أيضا اذا دقق النظر ..
وهو لهذا لا يخاف من السيدة المديرة تماما كما لا يخاف من عم يوسف أو شحاتة القهوجى لذلك قال لها وهو غير هياب أنا لا أوافق على هذا الغش ..؟؟ وتململت فى الكرسى ورمت القلم بعصبية فوق البنورة الثمينة واعتبرت ان الكلمة موجهة اليها وانها هى المقصودة بذلك الغش الذى لا يوافق عليه نصر . إذ كيف يتصور ان ما تقوله غش .. هل عندما تقول له أن ما يهمها كأى مدير مسئول فى الدنيا هو سلامة دفاتره وتسديد خاناته تصبح غشاشة ؟ هى لا تستطيع ان تقطع روحها خمسين قطعة توزع كل قطعة منها على دكتور فى وحدته الصحية لتطمئن على سير العمل الميدانى ولكنها فقط تستطيع ان تذهب بلحمها وشحمها كل شهر الى دكتور وفى خمس دقائق ومن خلال سلامة وتستيف السجلات تقدر ان تقول للسيد وكيل الوزارة ان العمل الميدانى سليم مائة فى المائة وبإمكانه الحضور بنفسه ليطمئن الى هذا وهو قطعا لن يطمئن الا من خلال الدفاتر والسجلات فليس لديه الوقت هو الآخر للمرور على كل هذه الوحدات ولكن اذا كانت الدفاتر سليمة فالعمل بداهة يتم على أكمل وجه ؟؟
ولكن يا سيدتى كيف أسدد فى دفاترى انى أبعث بعينات البراز الى المعامل من المشتبه فيهم وليس عندى أصلا هذه العلب المخصصة للعينات ؟؟
إتصرف ؟؟
كيف أتصرف ؟؟
أتصرف مثل هؤلاء الذين يرسلون أورنيك العينات الى المعامل بدون عينات ليحظوا فقط بخاتم الدولة للمعمل أنها سلبية ليعودوا فى نفس اليوم ويسددوا دفاترهم الوهمية ويستريح العملون فى المعامل ولا تسمين ذلك غشا ؟
اذا لم يكن ذلك هو الغش بعينه ؟ فأى شيئ آخر هو الغش ؟؟ ما أقوله هو الغش ؟ سامحك الله ! هل الصدق مع النفس والآخرين هو الغش ؟ الاستقامة أصبحت غشا فى هذا الزمان ؟؟
ويخرج الصوت المسرسع من هذه الكتلة المتكومة خلف المكتب حاداً قوياً حاسماً : انت مش عايز تفهم ليه ؟ روح شوف زمايلك بيعملوا ازاى واعمل زيهم ؟
وبدأ نصر يحملق وبدأ الصوت يدق ويخفت واتسعت عيناه وتلاشى الصوت وأخذ الفك الاسفل يعلو ويهبط وأخذت عظام الايدى تتشابك فوق القفص الصدرى ثم تنفك ثم تتشابك .. ثم نهض هذا الهيكل الأملس ونزل عن الكرسى الفوتيه ومشى نحو الباب وكان قد خرج نصفه لولا كلمة قالها لا أدرى هل سمعها نصر كما سمعتها ام لا وان كان فى غالب الظن أنه قد سمعها وعرف انها قالت " انت نسيت نفسك واللا إيه ؟؟ انت عارف انت بتكلم مين ؟؟ انا المديرة يعنى انا اللى بأكلك عيش ؟؟ انت مخصوم منك أسبوع وبدون تحقيق كمان ؟؟ " والعجيب انها عندما خرجت انحنت لها كل الهياكل فى الطرقة وفوق درجات السلم حتى تكومت فى الكرسى الأمامى لسيارة الادارة الخاصة والشيئ الوحيد الذى كان يبدو جميلاً كان شنطة اليد الحريمى المعلقة فى عظام الساعد الأيمن .
دكتور سمير محمد البهواشى