أنا واحد ممن ولدوا مع بواكير ثورة يوليو وتربوا ونموا وترعرعوا فى ظل مبادئها الستة التى كنا نظن انها كفيلة بوضعنا فى مصاف الدول المتقدمة المعتمدة على الذات الغير تابعة تحت اى مسمى لاى دولة غيرها والتى نعيش ونتعايش على ارضها مواطنين متمتعين بالحرية والاشتراكية وتكافؤ الفرص مؤمنين حتى النخاع ان العمل شرف وان الوظائف تكليف لا تشريف ومصدر للرزق الحلال من خلال خدمة الاخرين لا سبوبة للغنى الحرام الفاحش من خلال استخدام الكرسى لاعطاء من لا حق له حقوق غيره غير ان الرياح لم تأت بما تشتهى السفن وانتهى الامر بنا الى ما نحن عليه من تبعية مقنعة فكرا واقتصادا إلا أن الدولة تحاول بكل ماأوتيت من جهد أن ترتق فتوق الثوب الكثيرة بسن القوانين التى ترجو من ورائها إصلاح ما يمكن اصلاحه ولكن بالرغم من ذلك فان الامور تزداد سوءا والثقوب تزداد اتساعا مما يجعلنى كمواطن محب لتراب بلده ويتمنى أن يرى خلال ما تبقى له من عمر ما تقر به عينه ويهنأ به فؤاده ويتوقف على أثره غليان مرجل الحيرة فى عقله لكثرة ما يتردد فيه هذا السؤال : كيف عجزنا خلال الخمسين سنة الماضية أن نعمق انتماء مواطنينا للبلد ونبوأها المكان اللائق بها كأمة تملك كل امكانات التقدم والتحضر والمشاركة الحقيقية فى اعمار الكون ؟ كيف لم تؤت كل التعديلات على برامج التعليم أكلها وتخرج من بين شبابنا الف زويل آخر ؟ كيف لم تستطع كل القوانين العسكرية التى صدرت خلال السنوات الماضية ان تحد المد السرطانى للعشوائيات حول القاهرة بل كيف بعد تطبيق هذه القوانين على عينات منتقاة ممن لا ظهر لهم يحميهم تعود الدولة فتقرر ادخال المرافق الى هذه البيئات المخالفة فعلا وبنص قوانينها ؟ كيف لم تستطع بنود الدستور التى تنص على تكافؤ الفرص بين افراد الشعب دون النظر الى ما يملكون ولا فى اى جهة من الدولة يعملون شريطة النزاهة والشرف والكفاءة والرغبة فى الرقى بالمجتمع أن تهيئ للحائزين من الفقراء على الدرجات الرفيعة فرصة العمل فى الاماكن التى نسميها نحن هنا فى مصر بالسيادية مع انها فى كل العالم خدمية كالنيابة والقضاء والشرطة ؟ ودعونى أضرب مثلا بسيطا من الامثلة المعيشة والماثلة لكل من كان له بصر وبصيرة ووسيلة اتصال تصله بمكان الشكوى للتحقق من صدق ما اقول إذ كيف لم يستطع قانون المرور الجديد ونحن لم نزل فى فورة تطبيقه مع ما نشتهر به من حماس فى البدايات أن يحقق السيولة والانضباط فى شارع صغير كمطار امبابة خاصة عند مزلقان بشتيل المحطة الذى بات صداعا فى رأس كل من يسكن فى أوسيم ويريد أن يصل الى جامعته او مقر عمله فى القاهرة او المهندسين أو يعود منهما إذ لن يقل زمن توقفه فى المزلقان ذهابا وايابا عن ساعتين بالضبط ان لم تزيدا ، يتحرك خلالهما الهوينى فى مساحة لا تزيد عن مائة متر ؟ كيف لم يردع هذا القانون سائقى الميكروباس ويمنعهم من السير فى عكس الاتجاه بدءا من بوابة المطار وحتى المزلقان ؟ لماذا باتت العلاقة بين الدولة كحكومة والشعب كرعايا علاقة ندية لا تعاضدية تؤمن بأننا جميعا ركاب سفينة واحدة ما يصيب فردا منها سيطال لا محالة الباقين ، مما جعل المواطنين - لا شعوريا - يعتقدون بما لا يدع مجالا للشك او التفكير أن الحكومة فى واد والشعب فى واد آخر ؟ لماذ ؟ ولماذا ؟ ولماذا ؟؟ إن الاجابة على هذه الاسئلة وغيرها مما يعتمل ويتصارع فى عقول المثقفين الغيورين تنحصر فى رؤيتنا أن الحكومات المتعاقبة أخذت على عاتقها سن القوانين وإجبار الشعب على الالتزام بها ومعاقبته ان لم يفعل دون ان تمهد لتلك القوانين أو تضمنها بنودا لتشجيع الملتزم جنبا الى جنب مع بنود عقوبة المخالف مما جعل المواطنين ينظرون اليها على انها للجباية لا لمصلحة الوطن ككل ؛ فمثلا عندما سنت قوانين الازالة للمبانى المقامة على الارض الزراعية لم تمهد لها بتحديد الكردونات ولا بتوفير البديل الصحراوى بأسعار فى متناول محدودى الدخل ولا بتوفير شقق زهيدة السعر صالحة للاستقرار النفسى والبدنى للمقبلين على الزواج فعلا ، كذلك لم تضع فى القوانين ما يشجع على السكن فى الصحراء من انشاء المرافق والمواصلات والخدمات والمتنزهات وخلافه !! وأيضا عندما سنت قانون المرور الجديد وغلظت فيه العقوبة على الانتظار صفا ثانيا لم تمهد له بانشاء جراجات وايجاد اماكن قريبة من المصالح والمحال التجارية للانتظار إن اراد المرء قضاء مصلحة ملحة ولم تضف بندا يشجع على الالتزام بهذ البند بتخفيض الضريبة مثلا على صاحب السيارة الملتزمة والذى لا يظهر ما يثبت مخالفته وقت استخراج شهادة المخالفات وبراءة الذمة . هذا الخلل فى المنظومة التشريعية يجعل المواطن ينظر الى مثل هذه القوانين على انها للجباية وزيادة موارد الدولة فقط وليس للحد من الحوادث او المحافظة على الارواح أو تحركنا خطوة فى طابور التحضر ، كما أن انتفاء العدل عند التطبيق وبراعة القائمين على التنفيذ فى تحويلها الى سبوبة لزيادة دخولهم وتحسين مستوى معيشتهم بقبولهم للرشوة نظير التغاضى عن المخالفة أو اعطاء الحق لمن لا يستحق أسباب أخرى تضاف لتفسر هشاشة العلاقة بين الدولة والشعب وعدم تحقيق القوانين ما يرجى من ورائها .
دكتور سمير محمد البهواشى
Sammb55@gawab.com
http://almesryoon.com/ShowDetailsC.asp?NewID=54091&Page=1&Part=6
رابط المقال
دكتور سمير محمد البهواشى
Sammb55@gawab.com
http://almesryoon.com/ShowDetailsC.asp?NewID=54091&Page=1&Part=6
رابط المقال