السبت، 14 يونيو 2008

الحب السلبى

إن فوضي الطرق، وما ننكره من سلوكيات في قيادة السيارات، ورغبة الجميع في استباق غيرهم، وتخطي الرقاب في المساجد، والتدافع عند ركوب أتوبيس عام، وما يحدث في طوابير المصالح الحكومية من هرج ومرج وعدم نظام، وشيوع الفقر والجوع، ووجود الغش والجشع والاحتكار وغيرها من الأمراض الاجتماعية التي تعاني منها مجتمعاتنا - إنما هو نتيجة طبيعية لتفشي الأثرة والأنانية وحب الذات، وعدم تفعيل خُلُق الإيثار الذي حثت عليه جميع الأديان، وعلي رأسها الإسلام، حيث قال تعالي في كتابه الكريم: (ويؤثرون علي أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) (٩) سورة الحشر..
فالإيثار ثمرة الجود الذي يجعلك تترك ما أنت محتاج إليه لغيرك، وأن تؤثر الغير علي نفسك بأن تقدمهم عليها فيما لا يحرم عليك ديناً ولا يقطع عليك طريقاً ولا يفسد عليك وقتاً، والجود قد يكون بالنفس أو بالمال أو بالعلم أو بالراحة والرفاهية أو بالجاه أو ببسط الوجه أو بالتسامح كما كان يفعل أبو ضمضم، أحد الصحابة رضوان الله عليهم، فقد كان يقول كل يوم إذا أصبح: «اللهم إنه لا مال عندي فأتصدق به علي الناس وقد تصدقت عليهم بعرضي فمن شتمني أو قذفني فهو في حل» فقال النبي (صلي الله عليه وسلم) في إشارة منه إلي أنه خلق جميل يحبه الله ولكنه صعب علي النفس الأنانية: «من يستطيع منكم أن يكون مثل أبي ضمضم؟» والإيثار ضد الشح الذي يثمر البخل.. والأثرة عكسه ومعناها استئثار صاحب الشيء به عليك وهي صفة غير محمودة في الإنسان عموماً وفي المسلم علي وجه الخصوص.
وللأسف فإن حبنا الشديد لرسول الله (صلي الله عليه وسلم)، الذي تجلي في مقاطعة المنتجات الدنماركية بعد إساءتهم له كشفنا أمام أنفسنا وأظهر مرضاً آخر نعاني منه ولا نبحث له عن علاج، وهو الحب السلبي للدين المتجرد عن اتباع الرسول (صلي الله عليه وسلم) والاقتداء به مع أن القرآن الكريم يقول في سورة آل عمران: «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم».
دكتور سمير محمد البهواشي
نشرت بجريدة المصرى اليوم بتاريخ 14 يونيو 2008

ليست هناك تعليقات: